نور الدين عتر
171
علوم القرآن الكريم
القرآن هذا « وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان » . وقد فسر هذا القول بتفاسير متعددة كلها تشير إلى غاية التثبت ، ولعل أولاها عندنا هو الاستشهاد على أن ذلك كتب بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما فسره أبو شامة المقدسي ، وعلم الدين السخاوي . « ولذلك قال في آخر سورة التوبة : لم أجدها مع غيره ، أي لم أجدها مكتوبة على الشرط المذكور مع غيره » . وإلا فإن خاتمة براءة محفوظة عنده وعند غيره من الصحابة ، مشهورة قد وردت أحاديث في فضلها . وبهذا جمعت نسخة المصحف بأدق توثق ومحافظة ، واستغرق هذا الجمع زهاء سنة ، هي مدة ما بين واقعة اليمامة ووفاة الصديق رضي اللّه عنه ، وأودعت نسخة المصحف لدى الخليفة لتكون إماما تواجه الأمة به ما قد يحدث في المستقبل ولم يبق الأمر موكولا إلى النسخ التي بين أيدي كتّاب الوحي ، أو إلى حفظ الحفّاظ وحدهم . ويعجبنا في هذا ما قاله الإمام أبو عبد اللّه الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب « فهم السنن » : « كتابة القرآن ليست محدثة ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب ، وإنما أمر الصدّيق بنسخها من مكان إلى مكان ، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيها القرآن منتشر ، فجمعها جامع ، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء « 1 » . وما كان أقواه وأمتنه من خيط ذاك الذي جمع به الصحابة رضي اللّه عنهم كتاب اللّه تعالى . وقد اعتمد الصحابة كلهم وبالإجماع القطعي هذا العمل وهذا المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وتتابع عليه الخلفاء الراشدون كلهم والمسلمون كلهم من بعده ، وسجلوها لأبي بكر الصديق منقبة فاضلة
--> ( 1 ) البرهان ج 1 ص 238 والإتقان ج 1 ص 58 .